لم يجد وزير العمل السعودي الدكتور غازي القصيبي حرجا في أن يترجل عن منصبه، ويتحول إلى نادل في أحد مطاعم جدة، في محاولة عملية لمحاربة النظرة الاجتماعية السلبية تجاه بعض المهن، وتشجيعا للشباب لارتياد العمل في قطاع الضيافة.
يأتي هذا بعد تقارير نشرت حديثا تفيد بارتفاع نسبة البطالة في السعودية إلى 14%؛ مما يعني وجود قرابة مليون سعودي عاطل عن العمل.
وأمضى وزير العمل الدكتور غازي القصيبي مساء أول أمس ثلاث ساعات في خدمة زبائن مطعم للوجبات السريعة بمدينة جدة، وذلك خلال رعايته ليوم الضيافة السعودي الأول، بحسب جريدة الوطن اليوم الثلاثاء.
وأعلن القصيبي تحديد يوم 22 يونيو من كل عام "يوم الضيافة السعودي".
وتقوم فكرة هذا اليوم على أن يقوم صاحب العمل خلاله بخدمة الزبائن من خلال المنشأة التي يمتلكها مرتديا زي العاملين بها.
ومنح الوزير نفسه منصب "مضيف فخري"، مشددا على شرف هذه الوظيفة وقيمتها بقوله: إن البداية دائما تكون متعبة وصعبة، ولكن بالمثابرة والاجتهاد والطموح سيتحقق للشباب أهدافهم.
وأثار الوزير تصفيق الحضور وهو يقبل رأس شاب سعودي يعمل مقدم طعام بمطعم في جدة، وهنأه على مثابرته وشجعه على هذا العمل.
بعد ذلك قام وزير العمل برفقة أمين عام مجلس الوزراء عبد الله السدحان، ومحافظ المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني الدكتور علي الغفيص، ورئيس الغرفة التجارية بجدة صالح التركي، بتقديم الطعام للشباب السعودي في المطعم، وداعبهم الوزير مطالبا بـ"بقشيش" مقابل الخدمة.
كما قام الوزير يرافقه صاحب المطعم بتقديم الوجبات للشباب العامل بمهنة الضيافة تكريما لهم.
وزير.. نادل سابقا
وارتجل وزير العمل كلمة أعلى فيها من قيم العمل الشريف في جميع المهن، واستشهد ببعض الوزراء العصاميين الذين عمل بعضهم نادلا أو بائعا للخضروات، بحسب الشرق الأوسط اليوم الثلاثاء.
وأطلق القصيبي جوا من المرح عندما تحدث عن المسئولين الذين تواجدوا في المناسبة معه قائلا: "إن ما يجمع بينهم أنهم جميعا عملوا في المطاعم، فالأخ عبد الرحمن السدحان أمين مجلس الوزراء عمل نادلا في مطعم في كاليفورنيا بأمريكا عندما كان طالبا هناك وشهدت ذلك بنفسي عندما سكب القهوة لي عدة مرات".
وتابع: "أما الدكتور علي (علي الجهني وزير المواصلات الأسبق) فقد أخبرني أنه لم يتعد مرحلة النادل الصغير، وكان يحلم بوظيفة نادل، لكن الله ما أراد، وتم تعيينه وزيرا، وعلمنا أخيرا أنه كان يبيع الخضر وليس الخبز".
وأضاف مازحا: "لأنه لو كان يبيع الخبز لأكل نصفه، وكان يجني مصاريفه من العمل بائعا لثلاث ساعات".
النظرة الدونية
وانتقد القصيبي النظرة الاجتماعية الدونية لبعض المهن، قائلا: "القرآن الكريم مليء بقصص الأنبياء وأعمالهم المهنية، وقد أمرهم الله تعالى بأن يعملوا بأيديهم، وهناك قصص نوح وداود".
وتابع: "فالذي يقول إن هناك مهنا دونية فهو لا يفقه روح القرآن الكريم، فالمهن اليدوية من أشرف المهن، وأبشر من يقومون بهذا العمل بأن أمامهم مستقبلا كبيرا".
واستغرب ممن يتحدثون عن الأعمال المهنية بإهانة، مبينا أن هؤلاء لا يفهمون روح القرآن، وقال: "يجب أن نفرق، فهناك عمل شريف وآخر غير شريف، وفي المملكة بدأت الأسر التجارية الكبيرة عصامية والجميع يعرف تاريخهم؛ لهذا يجب أن نكف عن تقاليد الجاهلية البالية".
وأعرب القصيبي عن اعتزازه بارتداء زي النادل وقال: "إنه رداء لا يستحقه إلا من سعى لدراسته، وأنا أعتبره نوعا من الدكتوراه الفخرية".
وفي السياق نفسه أكد رئيس الغرفة التجارية الصناعية بجدة صالح التركي أن توطين الوظائف بقطاع الضيافة عائقه الأساسي النظرة الاجتماعية التي لا بد من تغييرها عبر التوعية والتثقيف واستثمار هذا اليوم في إيصال هذه الرسالة.
وقال: إنه بتدشين يوم الضيافة سنكون قد وضعنا اللبنة الأولى في تغيير الصورة النمطية إزاء من يعمل في هذا القطاع.
ومن جهته أوضح صاحب فكرة "يوم الضيافة" -رئيس لجنة الضيافة بالغرفة التجارية الصناعية بجدة الدكتور خالد بن فهد الحارثي- أن مسألة تغيير النظرة الاجتماعية تحتاج إلى وقت؛ لكوننا نتعامل مع قضية ثقافية وتركيبة مجتمع.
وبرغم تفضيل أصحاب الأعمال لعمل الأجانب في المهن البسيطة -كالنادل في المطاعم والمقاهي- فإنه صار من المألوف مشاهدة شاب سعودي يعمل بها، وذلك بعد أن شكلت السلطات السعودية ضغوطا على أصحاب تلك المطاعم والمقاهي بضرورة توظيف سعودي واحد على الأقل كشرط لاستمرارها.
بطالة هيكلية
وارتفعت في المملكة نسبة البطالة لتصل إلى أكثر من 14% حسب تقرير صدر منتصف يناير 2008 من قبل مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي.
ولكن خبراء اقتصاديين أكدوا لإسلام أون لاين أن وصف البطالة لا ينطبق على المملكة، مشيرين إلى أن معنى البطالة هو عدم وجود وظائف للشباب في سن العمل أو للباحث عن العمل والراغب فيه، لكن ما تعانيه المملكة هو بطالة هيكلية، بمعنى أن هناك وظائف ولكن المشكلة تكمن في أن طالبي هذه الوظائف لا تتوافر لديهم المؤهلات أو المهارات التي يحتاجها سوق العمل.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك ضعفًا في الإقبال على التعليم الفني، مرده ثقافة العيب التي احتلت مساحة كبيرة من عقلية أغلب الشرائح الاجتماعية، وأصبحت تشكل سببًا رئيسيًّا في تفاقم أزمة البطالة بين الشباب السعودي.
وأدت هذه الثقافة إلى عزوف كثير من الشباب عن بعض الأعمال المهنية، خوفًا من نظرة المجتمع الدونية لها.
وتسببت هذه النظرة في نقص وفقر كبيرين في كثير من الأعمال المهنية، مثل السباكة والميكانيكا والنجارة، وهو ما أدى بدوره إلى ضعف الإقبال على التعليم الفني، أو الاكتفاء بشهادته دون العمل بالأعمال المهنية.
ونظريا يولد الاقتصاد السعودي ما يكفي من الوظائف للوصول إلى ما يقارب التوظيف الكامل؛ إذ يبلغ متوسط توليد الوظائف 140 ألف وظيفة جديدة سنويًّا، بينما يقدر متوسط الطلب على الوظائف سنويًّا بـ160 ألف وظيفة.